المساواة وتكافؤ الفرص أنصفت أمير في المدرسة

IMG-20170714-WA0010

كل إنسان عبقريّ.. ولكننا إذا حكمنا على عبقرية سمكة عن طريق قدرتها على تسلق شجرة، فستظل السمكة معتقدة طيلة حياتها أنها غبية”.. البيرت أينشتاين
دقّ ناقوس الخطر لدى نرمين عندما توالت الشكاوى على ابنها أمير في المدرسة، فتيقّنت حينها أن مشكلة ما باتت تتربّص به. أمير، طفل بعمر الورد، يبلغ عشر سنوات مضيئة،  في الصف الخامس، كثير الحركة، وسرعان ما يغضب ليحتدم بمشاجرة مع اخوته، ما يجعل أمه ومعلماته يصفنه “بالعدواني”. تنبّهت نرمين –والدة أمير- لحالة الاضطراب التي سطت على ابنها، فأخذت تعالج الأمر بتتبع وضعه الأكاديمي مع المعلمات والمرشدة الاجتماعية في المدرسة.

يتصف أمير بالعصبية أكثر من الدارج، فردود أفعاله فورية ومستعجلة، كما يواجه صعوبات جمّة في تكوين صداقات وبناء علاقات اجتماعية في المدرسة. فهو -وحسب معلماته ومعلميه- يتشتت بسرعة وغير منضبط، حركته زائدة ولا ينتبه البتة في الصف، قد يكون حاضراً غائباً في الوقت ذاته؛ صوته عالٍ، كما يتفوّه بعبارات لا تمت للدرس بصلة، ما يدفع المعلمات إلى نهره باستمرار. فقد تعرّض أمير للعديد من الإنذارات الشفوية جرّاء لامبالاته وعدم الاكتراث في إتمام واجباته وخرقه القوانين المدرسية. أجمع كل معلماته ومعلميه بعدم التزامه بالجلوس مكانه في الحصص. أضف الى ذلك، تكبّده عناء الدرس وخوض تجربة الدراسة العقيمة من تلقين وتحفيظ وحلّ ونسخ، الأمر الذي انعكس على تحصيله الأكاديمي ودرجاته المتدنية في القراءة والكتابة والرياضيات.

لم يتجاوب أمير لمتابعات والدته، بل تراجع تحصيله مجددا، وذاع صيته بوصفه مشاغباً، فألصقوا عليه تلك الصفة والتي لازمته طويلا، غير مكترثين بالجوانب المضيئة لدى أمير، وأنامله السحرية بالرسم.
“حسيت ابني بضيع، وكان مفروض عليّ أنقذه”…هذا ما قالته نرمين وأكملت قائلة: “لولا طوق النجاة وتدخل مؤسسة الأميرة بسمة. لحسن حظي وحظ أمير تنفيذ مؤسسة الأميرة بسمة مشروعاً في مدرسة المطران، عمل على مد يد العون والمساعدة للأطفال المقدسيين الذين يعانون من اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه- وهو اضطراب عصبي، يتسم فيها الطفل قبيل ال 12 سنة بالنشاط الزائد والاندفاعية- وذلك من خلال تأهيلهم وتطوير خطط تعليمية معدّة بعناية لكل منهم”.

وافقت نرمين على  إدراج ابنها في البرنامج، ومن هنا بدأ فريق عمل بقيادة مؤسسة الأميرة بسمة برصد سلوكيات أمير من خلال مشاهدات داخل الصفوف في المواد الأساسية (لغة عربية، لغة انكليزية، رياضيات)، كذلك إجرائهم لمقابلات مع الأهل شملت التطرق لفترة الحمل والولادة، تبعها تعبئة نموذج استمارة للتعرف على التاريخ العائلي للطالب من وضع صحي واجتماعي، تلاها إجراء اختبار كونورز في بيئتين مختلفتين- وهو اختبار أمريكي لقياس وتشخيص الطلاب المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه والمعروف باختصار ADHD– وعليه تم تعبئة الاختبار مع أولياء أمر أمير في المنزل، بالاضافة الى تعبئة الاختبار عينه مع مع مربي/ة الصف في المدرسة ، لهدف دراسة تكرار السلوك في حيّزين مختلفين. والجدير ذكره أن ختبار كونورز يتميّز بالدقة والشموليّة، فهو يسلط الضوء على ستة جوانب، ألا وهي: التشتت وعدم الانتباه، الحركة الزائدة الاندفاعية، صعوبات تعلم، مشاكل في الوظائف التنفيذية، عدوانية في العلاقة مع الأقران. تم بعدها إعداد تقرير شامل حول وضع أمير، واختتمت العملية باجتماع لجنة متعددة التخصصات لتشخيصه وفق المراحل التي ذكرت آنف

collage_Amirs drawings1

على نفس المنوال، تم تشخيص 110 حالات لطالبات وطلاب مرشح اشتباههم باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه في سبع مدارس مقدسية، وهي: مدرسة المطران، الهداية، نور القدس، روضة الزهور، سيدة البيلار، الشهيدة دميانة ، والأميرة بسمة الثانوية الجامعة. ويذكر عالمياً أن معدلات الإصابة بين الذكور أعلى من الإناث بمعدل 3 ذكور لكل أنثى. فمن خلال تدخل المؤسسة، تم العمل مع 70 حالة من إجماليّ الرقم المرشح أعلاه، وذلك عبر توفير موائمات مطلوبة في البيئة الصفية، كتقليل تواجد العوامل المشتتة في الصف، وإجلاس الطالب في الأدراج الأمامية، ولفت انتباهه باستمرار أثناء الحصة، بالإضافة موائمة الواجبات والامتحانات بما يتناسب مع مستوى الطالب، ناهيك عن جلسات نفسية وإرشادية للأهل عن كيفية التعامل مع أطفالهم.

عبّرت نرمين عن رضاها للموائمات المعمول بها وفق توصية فريق عمل الأميرة بسمة، بقولها: “لقد أصبحت المعلمة تعد الامتحان لأمير بوضعها كل سؤال على صفحة وبخط كبير وواضح، لضمان وضوح الأسئلة والحد من التشتت. كما استخدامت المعلمة بطاقة ذي ألوان زاهية للمشاركة والإجابة أثناء الدرس، مما زاد من تركيز أمير، وَحَدّتْ من تجوّله في الحصص. لقد قفز أمير قفزة نوعية، من معدل بالخمسينات الى ارتفاع بالسبعينات”.

أظهرت النتائج تحسّن كبير في نتائج الاختبار القبلي والبعدي، وحسب معلمات أمير، فقد أصبح أمير “أكثر التزاماً بأوراق العمل، وتحسن خطه في الإملاء، وأصبح يستخدم دفتراً لتدوين الملاحظات لضمان عدم نسيان الواجبات. إضافة لذلك، تم تسليط الضوء على موهبة أمير ودقته في رسم الزوايا والتفاصيل بوضوح شديد، مما غيّر من وجهة نظر المعلمات له ولقدراته، ولم تعد وصمة “المشاغب” ملازمة له، إذ أصبح لقب “الرسام” يليق به أكثر.

collage_Amirsdrawings2

وبالتوازي مع التدخل في المدرسة، تم تقديم خدمات التأهيل الشامل في مؤسسة الأميرة بسمة للطلاب المشتبه بهم في التشخيص، فقد حصل أمير على ثلاث جلسات علاج وظيفي، و18 جلسة أخرى للعلاج بالموسيقى، حيث ساهمت بشكل ملحوظ بتغيير سلوكياته نحو الأفضل. انعكست الجلسات بنتائج ايجابية على أمير،  فقد استمتع كثيرا لخوضه تجربة الموسيقى، وطالب والدته بشراء طبلة له، يرفّه فيها عن نفسه، وبالتالي قلت عصبيته، وأصبح أكثر صبراً.

collage_Amirsdrawings3

يأتي التدخل في مدرسة المطران ضمن مشروع تحسين الظروف المعيشية للأشخاص ذوي الاعاقة في القدس الشرقية، الممول من الاتحاد الاوروبي ودياكونيا، لخدمة الأطفال المصابين باضطراب نقص الانتباه والحركة الزائدة ADHD. فقد شمل المشروع أيضاً بناء قدرات الكوادر التعليمية، فعقدت ورشات عمل في المدارس للمعلمين ومربّي الصفوف، من أجل تعريفهم باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، بغية الوصول الى أفضل الممارسات في مجال تعليم الطلاب، وسبل التعامل مع الأطفال بكافة اختلافاتهم في الصف.