حياة تنبض بالحياة

IMG_0291 - Copy

“بنتك يا سائدة للأسف رح يكون عندها مشاكل كتيرة”.. بهذه الكلمات المقصلة تحضّرت سائدة لاستقبال ابنتها الثانية وهي في شهرها الخامس، عندما ذهبت لإجراء فحص الأعضاء الاعتيادي عند الدكتور المختص.. صُدِمَت سائدة من هوْل الخبر، ولكنها أصرّت على اختيار الحياة لابنتها، وهكذا كان، فأسمتها “حياة”.

عاندت “حياة” قسوة الدكتور وتطوّر العلم الذي أنقص من فرحة أمها وأنبأها بتشوّهها الخلقي قبيل الولادة، فرأت “حياة” النور بيد أطول من الأخرى، ورِجْلٍ أقصر بثلاثة سنتمترات من الرّجل الأخرى، وثقبين في القلب، وتسكير في المعدة، ورخاوة في العين؛ أضف الى ذلك عدم وجود سقف حلق، ما عرّض والدتها لمعاناة طويلة، بدأت عند إطعامها الحليب، إذ كانت “ترى تجويف الأنف من الداخل” على حدّ تعبيرها، فتخاف ارتداد الحليب واختناقها، وبهذا لم تكن سائدة تعرف الليل من النهار.

بمحبة كبيرة لحياة، وبدون كلل أو ملل، تابعت سائدة حالة ابنتها، ما اضطرها الى إجراء عدة عمليات لها كإغلاق فوّهة الحلق، ناهيك عن المتابعات الدورية والزيارات المضنية للطبيب إزاء الثقبين في القلب، وتأكدها أنهما أغلقا مع نموّها.

وبعناية دقيقة، واكبت سائدة البحث عن مركز متخصص في مدينة نابلس أملاً في إيجاد علاج تأهيلي لحياة، يستطيع تطويرها وإعدادها للحياة ولكن “عبث”. كانت معظم المراكز تقدم علاجاً طبيعياً بشكل بدائي لا يتناسب مع حالة ابنتي، تقول سائدة: “كان طمعي في الحصول على تحويلة الى مركز التأهيل في مؤسسة الأميرة بسمة بالقدس، لصيت المؤسسة وخبرات الأمهات الأخريات اللواتي اختبرنها وأشدن بمساهمتها في تطوير حالة أبنائهن من ذوي الإعاقة”.

بعد ذهاب الأم الى مركز فرح، وعرض حياة على الطاقم المتخصص من مؤسسة الأميرة بسمة والذي يزور المركز الشريك بشكل شهري، تم تحقيق مساعي سائدة والحصول على التحويلة المنشودة، وبهذا أدخلت حياة الى مؤسسة الأميرة بسمة بالقدس.

IMG_0247 - Copy

تكبّدت سائدة أعباء كثيرة كونها المُعيل الوحيد للعائلة، فزوجها عاطل عن العمل. بدأت سائدة رحلة التحدّي خاصّتها من موافقة مشغّلها أخذها إجازة طويلة مدتها ثلاثة أسابيع للمجيء الى المؤسسة برفقة حياة. كما ترددت أيضاً من ترك ابنتها الكبرى “إسراء”، وهي في الصف الأول الأساسي، بدون مساندة أكاديمية لدروسها اليومية. إضف الى ذلك تفكيرها المستمر بأمور المطبخ والغسيل والتدبير اليومي للمنزل، ولكنها أصرّت على اتخاذ قرار لصالح “حياة”، إيماناً منها بالمسؤولية تجاه ابنتها وتمكينها نحو الاستقلالية.

IMG_0174 - Copy

عبّرت سائدة عن وضعها حينما أتت الى المؤسسة: “بجانب خدمات التأهيل لابنتي، شعرت أنه قد تم تأهيلي أنا أيضاً، فقد جئت جدّ متعبة ومكتئبة من وضعي. حال وصولي هنا، انضممت بشكل تلقائي لبرنامج تمكين الأمهات، وشاركت في جلسات التفريغ النفسي، وجلسات التوعية، فشعرت بالتغيير الإيجابي، إذ تغيّرت نفسيتي، وأصبحت واعية أكثر لمواضيع تخصّ العناية بحياة”.

أكملت سائدة: “إنه أسبوعي الثالث في المؤسسة، وأن جداً مذهولة من تطوّر حياة بعد حصولها على سلّة خدمات التأهيل الشاملة من علاج طبيعي، ووظيفي ومائي، ونطق ولغة، وموسيقى، بالاضافة الى استمتاع حياة في بركة الطابات في الغرفة الحسية.

بعيون بارقة وابتسامة: “أتوق للذهاب الى المنزل ومفاجأة زوجي وأختها الكبرى “إسراء” بكم التطور الهائل الذي أحرزته حياة”.

IMG_0305

لم تكن حياة تلفظ أي كلمة سوى كلمة “ماما”، أما الآن فهي تتمتم ببعض الايماءات الإيحائية لتعبر عن حاجاتها وتظهر سعادتها بتمتمتها بعض الأصوات، فهي تتجاوب الآن لكلمة “هاتي” و”خدي”؛ كما أنها أصبحت تجلس بشكل ثابت، وتقف على الحواف، وتستطيع حمل الأشياء بكلتا اليدين، كما زاد إدراكها للمرئيات أمامها عند وضع أكثر من لعبة، فتآثر لعبة على أخرى، وتظهر ذلك بشكل جليّ عند محاولاتها المتكررة الوصول اليها واللعب بها. ختمت سائدة حديثها “بفضل الله وفضلكم وفضل كل أصحاب الخير، أستطيع القول أن حياة أصبحت تنبض بالحياة”.

ومن الجدير ذكره أن برنامج تمكين الأمهات ممول من مؤسسة American Friends of the Diocese of Jerusalem.