“نحن محكومون بالأمل”

FotorCreatedcollage

ميرا.. طفلة تصنع غدها

إنه الإدخال رقم 13 الذي تقضيه الطفلة ميرا المصري في كنف مؤسسة الأميرة بسمة بالقدس. ميرا، إبنه الأربعة أعوام ونيف، عانت من نقص في الأكسجين نتيجة ولادتها في الأسبوع 27 بعد انفصال المشيمة عن الجنين ونزيف حاد أصاب والدتها أثناء الحمل، مما تحتّم عليها الولادة  القيصرية، لتبزغ ميرا وترى النور. بوزن لم يتجاوز ال900 غرام، مكثت ميرا في حاضنة المستشفى قرابة الشهرين، موصولة بآلة التنفس الاصطناعيّ؛ تعاظمت رداءة المشهد عندما وُصِلَتْ أنابيبُ التغذية ببطنها مُشوّهة تضاريس جلدها الناعم. “أشعر بالحزن كلما أعدت تذكّر الأيام الخوالي، فقد تجرّعت ألم مشاهدة طفلتي تعاني، بل وشهدت رهبة الموت بعد توقف قلبها مرتين.”

خمس عمليات حصيلة المرات التي نهشت فيها الجراحة جسد ميرا الصغير، فحسب تعبير والدتها: “إن عمر ميرا الفعليّ أقل من عدد العمليات التي أجرتها في حياتها”. فما بين عملية تثليج للعين إثر انفصال الشبكية، لعملية أخرى جرّاء ثقب في القلب ومعالجة للصمام الرئوي، تبعتها عملية فتاق، ومن ثم حقن للبوتوكس، كانت آخرها عملية صعبة في أوتار الأرجل.

بدأت رزان- والدة ميرا- حديثها: “تنبهتُ للتأخر عند ميرا عندما بلغت تسعة أشهر، ذهبت بها لعيادة “فرح” في نابلس، حيث عاينها د. وضاح ملحيس، وطلب منا عمل فحوصات، حُوّلت ميرا على إثر نتائجها الى قسم التأهيل الشامل بمؤسسة الأميرة بسمة بالقدس  وعمرها لم يتجاوز ال  13 شهراً.

أتذكر جيدا كل إدخال لميرا، والنتائج الايجابية التي كانت تحققها بعد كل ادخال من خلال التدريب الذي كنت اتلقاه خلال اقامتي وعملية متابعتي لتحقيق الاهداف الموثقة في البرنامج البيتي الذي حصلات عليه. تابعت والدتها قائلة: “في بادئ الأمر، أخذت ميرا ترفع رأسها، ومن ثم أصبحت تجلس لوحدها، شرعت بعدها بالزحف على بطنها ومن ثم حبت؛ كما باشرت بتحريك أرجلها، تلا ذلك المشي البطيء بواسطة الجهاز المساند kay walker إلى حين تمكّنها منه، مما أجاز لها التنقل بين الغرف وإمكانية الذهاب لقضاء حاجتها والاغتسال، بالتزامن مع تطورها الحركي تطورت ميرا في كافة المجالات الاخرى الادراكية والتواصلية واللغوية، بالاضافة الى الاستقلالية في مختلف الانشطة اليومية . تتابع رزان بفخر: “في الإدخال ما قبل الأخير، أحرزت ميرا تقدماً استثنائياً، إذ مشت ثمان خطوات بدون عكازها، في حين تمكنت مؤخرا من اقتفاء 100 خطوة لوحدها.

بكلمات علمية ومن خلال المعالجات اللواتي عملن مع ميرا، أفدن أن ميرا قدمت إلى المركز بمشاكل حسية، حركية، تواصلية، لغوية، بالاضافة الى المشاكل الادراكية، والتفاعل الاجتماعي. فمن ناحية حركية، عانت ميرا من تأخر عام حركي وشد في الأطراف السفلية، وضعف في عضلات الجذع والتوازن أثناء الجلوس، وردود فعل الحماية، وتأخر في الجلوس، والزحف والحبي والوقوف. أما من ناحية وظيفية، فقد عانت ميرا  من مشاكل حسية مختلفة ،مثل ضعف في عضلات اليدين والعضلات الدقيقة، وضعف في استخدام مختلف المسكات واستخدام كلتا اليدين، ناهيك عن المشاكل في مختلف النشاطات اليومية والاعتماد على النفس. حاليا، تمشي ميرا بدون أدوات مساعدة داخل المنزل، وتستخدم العكازات في الروضة، فهي مستقلة في معظم النشاطات اليومية مع تطور كبير على كافة المهارات المطلوبة لدخولها المرحلة الابتدائية.

أما على صعيدالتواصل  واللغة، فبحسب المعالجة هديل سعيدة، “في بداية الإدخال، أظهرت ميرا تأخراً في تطورهاالتواصلي و اللغوي والتعبيري، ناهيك عن وجود ضعف في عضلات الوجه والفم، بالإضافة إلى تأخر  في قدراتها الادراكية. بعد تلقي العلاج، تطورت قدرات ميرا التواصلية والاجتماعية بشكل ملحوظ جدا كلامها اصبح مفهوماً، وباتت تكوّن جملاً طويلة، بل أضحت تسرد قصة تلو الأخرى.”

أكملت رزان شهادتها بفرحة المنتصر، بعض الأقارب والأصدقاء باعوني خيبة الأمل فقط بقولهم: “لن تستطيع فتاة بشلل دماغي إنجاز هذا وذاك”. بعض آخر أحبط محاولاتي نحو تقدم ميرا وذهابي للقدس طلباً للعلاج التأهيلي. وحدهم المعالجات والمعالجين في مؤسسة الأميرة بسمة من ربتوا على كتفي، وأصبت منهم بعدوى الأمل المزمن، فبت ألازم ميرا في الجلسات وأنْهَمُ من المعرفة من خلال الجلسات العلاجية، وأحفظ التمارين لأطبقها في المنزل. مرة تلو الأخرى، لم يصدق زوجي التقدم الذي أحرزته ميرا، وسرعان ما أشركته هو وابنتي الكبرى (لورا) في التمارين، ضمان تطورها في كافة مناح الحياة.

FotorCreatedcollage2

ميرا متميزة بضحكة لا تفارق وجهها، وتحب أخذ “السيلفي” وتجميد لحظات الفرح بصور تحفظها على هاتف أمها. لم تمانع ميرا التقاط الصور لها، بل أخذت تتفنن في الوقوف أمام الكاميرا! التحقت ميرا مؤخراً بروضة في نابلس، واندمجت مع سائر الطلبة في صف واحد، وهي تركب باص الروضة يوميا للذهاب والإياب، وتواصل حياتها متغلبة على الصعاب المطبوعة يوميا في أذهان الكثيرين، مبددة العقبات المجتمعية أولاً، والجسدية ثانياً.

اختتمت رزان قولها: “لقد تجاوز تقدم ميرا آفاق الكثيرين، وسأستمر في العمل معها وتدريبها لتصبح إنسانة مستقلة ومنتجة، تنجز أمورها معتمدة على نفسها.”

تأتي قصة ميرا ضمن الدعم المقدم من مشروع  Embrace the Middle East  والذي يهدف إلى تقديم وتطوير الخدمات التأهيلية للأطفال ذوي الإعاقة في محافظات الضفة الغربية عن طريق نظام الإحالة، بالإضافة الى تعزيز شبكة الشراكة مع مراكز  إعادة التأهيل الوسطية في المجتمع. وكذلك زيادة المعرفة والوعي بحالة الأطفال ذوي الإعاقة في فلسطين، وتمكين أمهات الأطفال ذوي الإعاقة اللواتي يصاحبن أطفالهنّ خلال عملية التأهيل